الشهيد الثاني

870

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

الخبير القاهر ، الممتثلُ لأوامره الشريفة ، المنقادُ إلى طاعته المنيفة . كيف لا ؟ وإنّما يأمر بمصلحة تعود على المأمور مع اطَّلاعه على دقائق عواقب الأُمور ، وهو الجواد المطلق والرحيم المحقّق ، والحمد للَّه على إنعامه وإحسانه وامتنانه ، والحمد للَّه الذي لا يَنْسى مَن ذَكَرَه ، ولا يُهْمِلُ مَن غفل عنه ، ولا يُؤاخِذُ مَن صَدَف « 1 » عن طاعته ، بل يَقُوده إلى مصلحته ويُوصِلُه إلى بُغْيَته . وكان الخروج إلى السفر المذكور بعد بوادر الأوامر به والنواهي عن تركه والتخلَّف عنه وتأخيره إلى وقت آخر ثاني عشر شهر ذي الحجّة الحرام سنة 951 ، وأقمتُ بمدينة دمشق بقيّة الشهر ، ثمّ ارتحلتُ إلى حَلَب ، ووصلت إليها يوم الأحد سادس عشر شهر المحرّم سنة 952 ، وأقمتُ بها إلى السابع من شهر صفر من السنة المذكورة . ومن غريب ما اتّفق لنا بحلب أنّا أزْمَعْنا « 2 » عند الدخول إليها على تخفيف الإقامة بها بكلّ ما أمكن ولم نَنْوِ الإقامة ، فخرجت قافلة إلى الروم على الطريق المعهود المارّ بمدينة أَذَنَة « 3 » ، فاستخرنا الله على مرافقتها فلم يُخِرْ لنا ، فكان قد تهيّأ بعض طلبة العلم من أهل الروم إلى السفر على طريق طوقات « 4 » ، وهو طريق غير مسلوك غالباً لقاصد قسطنطنية ، وذكروا أنّه قد تهيّأتْ قافلة للسفر على الطريق المذكور فاستخرنا الله تعالى على السفر معهم فأخار به

--> « 1 » صَدَفَ عن طاعته ، أي أعرض عنها . « 2 » أَزْمَعْنا أي عَزَمْنا . « 3 » أَذَنَة : بَلَد من الثغور قرب المصيصة ، بُنِيَت سنة إحدى أو اثنتين وأربعين ومائة ، ثمّ بنى الرشيد القصرَ الذي فيها قريباً من جسرها على سَيْحان . ويُنسب إليها جماعة كثيرة من أهل العلم . انظر « معجم البلدان » ج 1 ، ص 133 . « 4 » مدينة بنواحي إرمينية ، كما في « معجم البلدان » ج 4 ، ص 50 ؛ و « مراصد الاطَّلاع » ج 2 ، ص 898 .